الشيخ محمد رشيد رضا

110

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

عن كثير بن عبد اللّه بن عوف عن أبيه عن جده مرفوعا وذكر أن المكان الذي طلبوا فيه ذلك بين حنين والطائف . والعبرة في هذا أن للمسلمين الآن ذوات أنواط في بلاد كثيرة كشجرة « ست المنضورة » وشجرة الحنفي بمصر ، ونحو من ذلك ما اتخذوه من القبور والأشجار والأحجار والآبار يعكفون عليها ، ويطوفون حولها ، ويقبلونها ويتمرغون باعتابها ، ويتمسحون بها خاضعين ضارعين ، خاشعين داعين ، راجين شفاء الادواء ، والانتقام من الأعداء ، والغنى والثراء ، وحبل العقيم ، ورد الضالة ، وغير ذلك من النفع وكشف الضر ، خلافا لنصوص كتاب اللّه عز وجل . ولكنهم لا يعلمون أنها تسمى في اللغة العربية آلهة وأن جلّ ما يأتونه عندها يسمى عبادة ، وأنه شرك جلي لا يغفر ، ولا فرق بينه وبين شرك عرب الجاهلية وأمثالهم الا الاختلاف في التسمية ، فأولئك كانوا يسمون الأشياء بأسمائها لأنهم أهل اللغة ، وهؤلاء تحاموا اطلاق لفظ الاله والمعبود والعبادة في هذا المقام ، واستباحوا غيرها من الالفاظ كالأولياء والشفعاء والوسيلة والتوسل وهي مشتركة أيضا ولكنها استعملت في الاسلام بغير المعاني التي كانت تستعمل بها في الجاهلية ، كأن اللّه تعبد الناس باطلاق الالفاظ دون حقائق المعاني . وحقيقة معنى العبادة في اللغة العربية وكذا في غيرها من اللغات يشمل كل قول أو عمل يوجه إلى معظم يرجى نفعه أو يخشى ضره وحده - وهذا توحيد له - أو يرجى ويخاف بالتأثير عند اللّه تعالى - وهذا هو الشرك - بشرط أن يكون هذا الرجاء فيه أو الخوف منه لامر غيبي خارج عن الأمور الكسبية والأسباب الدنيوية ، وقد سبق شرح هذا آنفا وقبله مرارا ، ويظن أهل العلم بكتب الفقه والكلام الذين لم يطلعوا على ملل الوثنيين أنهم يعبدون الأصنام وغيرها من المخلوقات التي يتبركون بها لذاتها وأنهم يعتقدون انها تضر وتنفع بقدرتها وارادتها ، والصحيح أنهم يتوسلون بها إلى الخالق كما حكى اللّه تعالى عن مشركي قريش وغيرهم ، وقد سمعت هذا من بعض علمائهم في الهند . ماذا كان جواب موسى عليه السّلام قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ وصفهم بالجهل المطلق غير متعلق بشيء وهو على طريقتنا وطريقة ابن جرير والخصاف يشمل كل ما يصلح له من الجهل الذي هو فقد العلم والجهل الذي هو سفه النفس وطيش العقل ، وأهمه المناسب للمقام جهل التوحيد وما يجب من افراد الرب